Untitled.jpg

يستنير معهد الدوحة للدراسات العليا برؤية طموحة تهدف إلى تحقيق أعلى المعايير في التعليم والبحوث في مجالات اختصاصه المتعددة في العلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية، والإدارة العامة، واقتصاديات التنمية. وتنطلق هذه الرؤية من إدراك هذا المعهد أنّ العلوم الإنسانية والاجتماعية، بمعناها الواسع، أساسية لبناء المجتمعات البشرية معرفيًّا ومهنيًّا، وأنّ هذه المهمة تتطلّب تأهيل أجيال من الشباب الواعدين تأهيلًا يزوّدهم بالمعارف والمهارات الضرورية لمتابعة مسيرتهم البحثية والعملية، ويغرس فيهم روح الانتماء والعطاء لمجتمعاتهم بآفاقها المحلية والعالمية.

لعلّي لا أحيد عن جادة الصواب إذا ما قلت إنّ معهد الدوحة فريد من نوعه بين مؤسسات التعليم العالي في الوطن العربي، وإنّ هذه الفرادة ترتكز إلى اهتمامه بالدراسات العليا حصريًّا في مجال الإنسانيات والعلوم الاجتماعية والإدارية، وإلى أنه يلتزم التدريس باللغة العربية قولًا وفعلًا في زمن يكثر فيه الداعون إلى التدريس بغيرها، وكأنّ هذه اللغات البديلة هي المنقذ من الضلال والتخلف في بيئة تلهث وراء الحداثة وما بعدها. إن هذا الاهتمام باللغة العربية لغة تدريس وبحث ونشر جزء لا يتجزأ من رؤية المعهد النهضوية؛ فلم نعرف في تاريخ البشرية أنّ أمة من الأمم قد نهضت بلغة غير لغتها، ولم نعرف أيضًا أنّ نهضة في أمة من الأمم قامت من دون لغة ناهضة تخاطب عقولها ووجدانها. فاللغة ليست أداة محضًا، بل هي قلب وقالب يتداخل فيها الشكل مع المضمون. كما أننا لا نعرف أنّ أمة من الأمم قد نهضت بانقطاع عن لغات العالم وثقافاته المتقدمة، في تقوقع انتحاري على الذات. ولذلك يولي المعهد اللغات الأخرى أهمية في التعليم والتعلم والبحث لاستكمال أسباب النهوض، وخاصة اللغة الإنكليزية والتي، شئنا أم أبينا، أصبحت أداتيًّا لغة العلوم في عصرنا هذا.

ومعهد الدوحة فريد من نوعه، كما يذكرنا رئيس مجلس الأمناء، لأنه وُلد من رحم مركز بحثي – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – على عكس المنظومة المعهودة التي تلد فيها الجامعات والمعاهد مراكز الأبحاث. إن هذه العلاقة العضوية بين المعهد والمركز العربي بكل مكوناته، بما في ذلك معجم الدوحة التاريخي للغة العربية الذي يدعم الرؤية النهضوية للمعهد، تُعاظِم من دور كل وحدة من وحدات هذه المنظومة، بالرغم من استقلالية كل واحدة منها في اتخاذ القرار انطلاقًا من كينونتها القانونية المستقلة.   

ومما يزيد من تميز هذا المعهد أن البلد الذي احتضنه ويرعاه بموارده أطلقه بسخاء وعطاء يعزّ نظيره، ليس لمنفعته وحده، بل أيضًا لخدمة محيطه العربي والدولي الذي يفد منه الطلاب أفواجًا ليدرسوا بدعم كامل مدة سنتين. وكم هو اعتزاز معهد الدوحة في أن يلتقي جميع طلابه، القطري وغير القطري، والعربي وغير العربي، في حرم جامعي أنيق يتألّق بهم، وأن يشاركوا من خلاله، فرادى وجماعات، في مسيرات التنمية البشرية، في بلدان تلتحم أواصرها بطموحات تتخطى حدود الفصل والتفرقة في رؤية عروبية-كونية.

وليعدّ معهد الدوحة العدّة لأداء المهمات النابعة من رؤيته، يستقطب أكاديميين متميّزين وواعدين في تخصّصاته المختلفة، يأخذون على عواتقهم مهمات البحث والنشر والتدريس والتدريب والخدمة المجتمعية. فأساتذة المعهد التحقوا به من جامعات يُشهد لها بالتميّز والتمرّس في الوطن العربي وفي بلاد الغرب. ولتمكين هذا التميز، اختطّ المعهد سياسات أكاديمية منفتحة على أسباب التقدم والنجاح، وأرسى قواعد عمل تنافسية تهدف إلى توفير الوقت والموارد لطاقمه الأكاديمي للوفاء برسالته. وزاوج المعهد هذا التوجه في استقطاب الأساتذة، بتوجه مماثل في استقطاب الطلاب، وذلك بتخيّر ثلّة منهم من بين الآلاف الذين يعبرون عن رغبتهم في الانضمام إليه؛ إذ فاق هذا العدد لهذا العام الجامعي (2019/2020) 5000 طالب، قبلنا منهم ما يقرب من 250 طالبًا في تخصصات المعهد المختلفة.    

وبما أننا في معهد الدوحة نؤمن إيمانًا عميقًا بأهمية الجمع بين الدراسة النظرية، والممارسة، وخدمة المجتمع؛ وبما أنّ المعهد يؤمن بأهمية دوره في أداء واجبه من أرض ترويه بكرمها، فإننا نرى أنّ بناء القدرات الوطنية والمحلية والإقليمية جزء مهم من مساهمتنا في تنمية المجتمع؛ لذلك أطلق المعهد برنامجين تنفيذيَين، الأول في الإدارة العامة والثاني برنامجًا مزدوجًا في إدارة الأعمال والإدارة العامة بالاشتراك مع المدرسة الأوروبية للإدارة والتكنولوجيا في برلين The European School of Management and Technology. وفي الاتجاه نفسه، يشجع المعهد أسرته الأكاديمية على الانخراط في أعمال التدريب والاستشارات خدمةً لمحيطه المحلي والإقليمي. ويضطلع مركز الامتياز للتدريب والاستشارات بدور مهم في هذا المضمار؛ إذ نفّذ العشرات من الدورات التي لقيت استحسانًا واسعًا لدى المستفيدين منها في القطاعين العام والخاص، وفي القطاع الأهلي.

ولا يمكن أن يحقق معهدٌ أكاديمي كمعهدنا ما حققه من تقدم مشهود له، وفي فترة وجيزة، من غير دعم الطاقم الإداري المتميز الذي يتوافر لديه، وبمكوناته المختلفة. وفوق هذا وغيره، فإن الدعم والمشورة اللذَين يتلقاهما المعهد من مجلس الأمناء هما ضمانة الاستمرار والتقدم له؛ إذ يتوفر هذا المجلس على خبرات أكاديمية عميقة ومتنوعة تثري النصح والمشورة لإدارات المعهد على كافة مستوياتها. لمجلس الأمناء، ولأسرة المعهد من أكاديميين وطلاب وإداريين وخريجين، كل التحية والشكر على جهودهم المحمودة في بنائه وتمكينه في زمن قياسي. لقد بدأنا بثمانية برامج ماجستير في العام الجامعي 2015/2016، ازداد عددها ليصل سبعة عشر برنامجًا في العام الجامعي 2018/2019. وها نحن على أعتاب إطلاق برنامج للدكتوراه قريبًا. ولم يكن التوسع لدينا في يوم من الأيام لصالح الكم على حساب النوع، بل زاوج المعهد في خطاه بين الكم والنوع، وحافظ على نسبة أساتذة للطلاب يجوز له أن يتباهى بها عالميًّا.

إنه لشرف عظيم لي أن أكون أحد العاملين في مؤسسة أكاديمية كمعهد الدوحة للدراسات العليا إلى جانب طاقمَيه الأكاديمي والإداري، وبصحبة أفواج من الطلاب والخريجين المنفتحين على عوالم العلم والمعرفة والعطاء. ويزداد هذا الشرف لديّ عرفانًا بالجميل، كلما تذكرت أنّ معهد الدوحة هو الذي عاد بي، بعد غيابٍ طويلٍ، إلى مواطن لم يبارحني الاعتزاز بها يومًا، من خليجها إلى محيطها، على الرغم من ربوع التميز التي عاشرتها وانخرطت فيها في حياتي الأكاديمية التي امتدت عقودًا هناك.

 

البروفيسور ياسر سليمان معالي

الرئيس بالوكالة ونائب الرئيس للشؤون الأكاديمية